ما السرّ وراء نجاح لعبة بوكيمون؟

من ضمن الأحداث الكثيرة التي شهدها شهر يوليو الفائت من تصعيد شدة القتال في سوريا والإنقلاب الفاشل في تركيا والعملية الإرهابية في نيس والألومبيات وترشيح ترامب, نعم, كدنا نشهد اندلاع الحرب العالميّة الثالثة من كثرة الأحداث التي حصلت, ومن ضمن هذه الجلبة الكبيرة أيضاً أُصدرت لعبة Pokemon Go وأثارت أهتمام عالمي وإعلامي كبير رغم فظاعة الأحداث التي حصلت ذاك الشهر.

أصدرت لعبة Pokemon Go في مطلع شهر تمّوز إصدار حصري في الولايات وأوستراليا ونيوزيلاند على كل من App Store و Play Store, ومنذ صدورها نالت شهرة كانت أكثر من المتوقعة على حد قول John Hanke المدير التنفيذي لشركة Niantic التي أصدرت اللعبة, والتي تملك شركة Nintendo حصة فيها. ورغم أن إصدار اللعبة كان حصريّاً في عدّة دول فقط إلّا وأن شهرتها ونجاحها قد تخطّى مكان الإصدار وسبقها إلى دول أخرى كان يضطر المستخدمين تشغيل برامج كسر بروكسي لتحميلها واللعب فيها. ومنذ الأسابيع الأولى تخطت الشركة ال100 مليون مستخدم وبلغت أرباحها مئتي مليون دولار وازدادت القيمة السوقية لشركة Niantic بقيمة سبعة مليار دولار. وهي الآن تستعد لملئ جيوبها من أموال المُعلنين لتجعل بوكيموناتها تظهر في متاجرهم ليزيدوا من أعداد زوّارهم كل يوم عن طريق اقتطاع مبلغ أسمته بنظام  Cost-per-visit المُغاير لنظام Google الذي تعتمده في نتائج البحث على محرّكها Cost-per-click. وفي الوقت الذي يستمتع به الجميع باللعبة يطيل المسوّقون التفكير لمعرفة جواباً للسؤال: ما السر التسويقي وراء هذا النجاح الباهر للمنتج؟

1. الإبتكار, والخروج عن المألوف 

لنعد عقدين من الزمن إلى الوراء, فهذه ليست المرّة الأولى التي تثير فيها بيكمون التساؤلات وتستول على اهتمام الناس, فقد أثارت مخلوقاتها الصغيرة الكثير من الجدل في تسعينات القرن الماضي, كنت صغيراً عندما ألقى أحد أقربائي عليّ محاضرة طويلة عن الشيطانيّة والشرّ وراء هذه المخلوقات, صدرت الفتاوى وأقيمت البرامج التلفزيونيّة لمناقشة أشكالها وأسماءها وعلاقتها بالماسونيّة العالميّة وعبادة الشياطين وغيرها من الخرافات التي من المفترض لها أن تفسّر سر إنتشارها. نعم هنالك سر بالبوكيمونات, وهي أنها أسرتنا وأطلقت العنان لمخيلتنا منذ الطفولة. وكأطفال لم تمنعنا كل هذه الأقاويل من استمرار مشاهدتنا لها واللعب بها.

ولكن أهم مافي الأمر هنا هو الابتكار والتحديات التي تخوضها بوكيمون في كل ما تصدره, فهي دوماً تنجح في خلق الجدل والنقاشات وراء إصداراتها, والسرّ وراء هذه الأحاديث هو الإبتكار والخروج عن المألوف, وقد بدأت هذه السياسة منذ خلق شخصيّاتها على يد الياباني ساتوشي تاجيري Satoshi Takiri في بداية التسعينات, وهو حتماً أحد أسباب نجاحاتها في كل ما تفعله. وفي كل إصدار تضيف شيئا جديداً وتلاحق التطوّر التكنولوجي للعالم منذ بدئ مشوارها على Gameboy التابعة لNintendo ومن ثم إصدارتها على PlaysSation وباقي منصات الألعاب حتى فاجئتنا بظهورها على الأجهزة الذكيّة بتجربة جديدة كليّاً ومختلفة عن كل باقي الألعاب. ففي مقابلة ل John Hanke المدير التنفيذي لشركة Niantic على Business Insider أنهم عندما بدأوا الفكرة في أواسط عام 2014 كانوا يريدون تنفيذ لعبة تحث المستخدمين على الحركة والخروج والتجمّع.

2. التركيز على الإعلام الإجتماعي والقرب من الجمهور     

فالشركة لم تضيّع الكثير من المال لملاحقة المستخدمين كل درب وصوب والتواجد أمام أعينهم أينما حلّت, بل فضّلت إتباع أسلوب العلاقات العامّة لإخبار جمهورها أنها ستصدر اللعبة الجديدة, واعتمدت على خلق الأحاديث والنقاشات بالفكرة الجديدة التي أصدرتها. إقحام المستهلكين في النقاشات ونقل الأخبار هو أفضل ما يمكن أن يحصل عندما تطرح منتجاً للبيع, فهو أفضل وسيلة تسويقيّة لإشهار المنتج وهي ما يسمى ب word-of-mouth أي عندما يتناقل أخبار خدماتك ومنتجاتك عن طريق المحادثة بين الناس, ووسائل الإعلام هي أفضل مكان لتوليد هذه الأحاديث أكثر من التسويق أو الإعلان. وبالحديث عن الإعلان, ومالا يعرفه الكثيرين ممّن تناقلو أخبار اللعبة وحتى الذين حمّلوا اللعبة على أجهرتهم الذكيّة هو أنّ شركة Niantic أصدرت إعلان نشرته على الشبكة Youtube ولكنه لم ينتشر كثيراً إذ أنه لم يجمع أكثر من مليوني ونصف مشاهدة فمستخدميها اليوم فاق ال100 مليون وأطلقت إعلاناً آخر عند صدور اللعبة خلال دوري SuperBowl في الولايات المتحدة وشاركت في معرض E3 الذي عقد في شهر جون أي قبل إصدار اللعبة بشهر وعرضت خلاله منتج wearable للعبة وباعت كل القطع خلال المعرض بسعر 34.99 دولار للقطعة.

ولكن الأهم من ذلك هو طريقة شركة Pokemon في التواصل مع جمهورها, فالفكرة طرحتها على جمهورها منذ شهر سبتمبر العام الفائت, أي قبل إصدارها الرسمي ب10 أشهر تقريبا ونشرتها على وسائل التواصل الإجتماعي لتعرف ردّة فعل معجبيها, ووضعت عنصر القصّة في الإعلان لتشويق معجبيها كحال كل منتجاتها وقصصها, ويصوّر أيضاُ قدرة اللعبة على تقديمها لتقينيّة Augmented Reality الواقع المعزّز.

3. التواجد أمام قاعدة جماهيريّة أكبر

التواجد أمام قاعدة مستخدمين أكبر, فقد وضحت دراسة أصدرتها مؤسسة أبحاث Pew Research أن 40 في المئة من البالغين يمتلكون منصّة ألعاب ك  PlayStaion و Xbox و Nintendo وفي المقابل 68 في المئة من البالغين يمتلكون هاتفاً ذكيّاً والأرقام بازدياد سريع. قضى مستخدموا الهواتف الذكيّة أربعة ساعات ونصف وراء أجهزتهم كل يوم خلال عام 2015 تبعاً لSmartTrends بالإضافة إلى حقيقة أنّ الهاتف الذكي يمكّنك من اقتناء اللعبة في جيبك عوضاً أنّك في حالة منصّة الألعاب فأنت لن تأخذها معك أينما ذهبت. ومن ثمّ التشارك مع شركة Niantic التي لديها خبرة عدّة أعوام في صناعة ألعاب الأجهزة الذكيّة.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تصدر شركة Niantic لعبة تستخدم ال GPS و Augmented Reality للعب بها فهناك لعبة Ingress على الهاتف الذكي عام 2012 وحمّل هذه اللعبة عدة ملايين مستخدم حتى الآن, تطبيق FieldTrip الذي يستخدم أيضاً تقنيّة الواقع المعزز والموقع, حيث يعمل التطبيق في خلفيّة الجهاز ويعطي معلومات عن المناطق التي يدخلها لمساعدة المستخدم على التعرف على المكان أكثر. فشركة Niantic تعلم جيّداً أن منتجها فريد من نوعه. بالإضافة إلى جمهور Pokemon العالمي والذي هو جاهز دوماً لشراء كل منتجات الشركة, فما كان عليها إلّا أن تقدّم لجمهورها ومعجبيها فكرة مختلفة كليّاً حتى تراهم يتهافتون وراء منتجاتها, فهي التكنولولجيا التي تريد أن تتميّز بها عن باقي المنافسين.

يعتبر النجاح الباهر لهذه التجربة هو نتيجة تشارك ثلاثة شركات Niantic كمطوّر للعبة و Nintendo و The Pokemon Company والمثال الذي قدّمته شركة Niantic بتجربتها للعبة Pokemon Go فريد من نوعه وقد يكون مثال Role Model قد تقتدي به باقي الشركات التي تنوي التسويق على الإنترنت, ولكن هل فعلاً يوجد سرّ وراء هذا النجاح الغير مسبوق؟ والجواب هو (لا) لا يوجد سرّ خفي أو خلطة سحريّة, في النهاية لن تستطيع إثارة الجدل إن لم تكن لديك الجرأة في تقديم شيء مختلف وجديد, فبوكيمون تطلق العنان لمُخيّلتنا للغوص في عالم مخلوقاتها الصغيرة وتقدّم لنا آخر تكنولوجيا متواجدة لتجعلنا نعيش التجربة معها, هذا ما يجعلها تحتل عقولنا ووسائل الإعلام منذ نشئتها.
Advertisements