Digital Disruption المَعْمَعَة الرقْمِيّة

الساعة السابعة صباحاً تستعدّ رانيا لبدئ يومها المليئ بالمهام, فهو يوم آخر طويل لإتمام مشروعها الجديد الذي تمّت موافقتهُ من قبل محافظة المدينة, ألقت بنظرها إلى السماء عبر شُبّاك غُرفتها المرفوع الستائر لتجد أشعة الشمس تفنى محاولة اختراق الغيوم المتكدّسة في طريقها, فتتفقّد برنامج Weathercast لينبّئها بيوم مُمطر, فتنتعل جزمتها السّميكة و تحمل شمسيّتها الملوّنة بألوان الطيف و تنطلق خارجة من المنزل نحو سيّارتها و ما أن تستقل الطريق السريع الذي يفصل بين بيتها و مقرّ عملها حتى تأتيها رسالة من برنامج Waze تنبّهها باختناق في الطريق السريع بسبب حادث سير و يعطيها خيار آخر لتصل لمكتبها في الوقت المناسب, فتنحرف مُستقِلّة الطريق الفرعي الذي اقترحه عليها البرنامج. استقبلها زميلها عمر عند دخولها المكتب “هل أنهيت قراءة الكتاب؟”, تجيبه رانيا “نعم, يمكنك أن تعرف رأيي به على موقع Amazon و  Goodreads اذا كنت مهتمّا به” و توجّهت لمكتبها مسرعة لتسليم أحد الملفّات و إيصاله لمكتب شريكها, فأعلمها أنه لن يستطيع الذهاب مباشرة بسبب انشغال جميع سيّارات الشركة, فاستخدمت برنامج Uber و خلال دقائق كان السّائق ينتظر الموظف عند باب الشركة. توجّهت بعدها نحو اللابتوب لتتفقد بريدها الإلكتروني, ترد على الرسائل, تتفقّد شبكتها الإجتماعيّة و صفحة مشروعها فتجد تذمُّر عدّة مشتركين بسبب سوء الخدمة, ترفع هاتفها لمعرفة ما الذي أزعج عُمَلائَها و تحلّ المُشكلة. و بعد مُضيّ ساعتين وراء حاسوبها الشخصي أعادت ترتيب نفسها مُستعدّة للقاء أحد المُستثمرين, و لكن الطرقات مزدحمة في هذا الوقت من النهار و هي لا تُريد المجازفة بوقتها فاستخدمت برنامج Trafi الذي أعطاها عدّة خيارات لتصل إلى وجهتها دون إضاعة الوقت في المجازفة و سؤال البعض. أنهت مقابلتها و خلال رحلة عودتها إلى المكتب واجهت إحدى المظاهرات التي تندّد بالتفرقة العرقيّة, أخذت صورة للمُظاهرة و غرّدت بها عبر حسابها على Twitter لتكون أحد موثّقي الحادثة, أنهت عملها في المكتب ليكون نهاية النهار.

Purchase this image at http://www.stocksy.com/272384

هذا النموذج هو مثال للحياة في عصر ال Digital Disruption, قد تكون التسمية مخيفة بالنسبة للبعض, أو غير واضحة المعالم للبعض الآخر, فمن ناحية الترجمة للغة العربيّة فلم أجد مصطلح يعبّر عن المعنى الحقيقي لهذه الظاهرة, على Wikipedia تمت ترجمته بالتخريب الرقمي لأنه مبني على أساس تخريب منتجات السوق الحاليّة بمنتجات تتطوّر بطريقة غير واضحة المعالم بحسب مشاركة السوق و حاجته في تعديلها, و أمّا على عدّة مدوّنات عربيّة فالبعض أسماه بالإضطراب الرقمي, الارتباك الرقمي, الإزعاج الرقمي, كل منهم ترجمه بحسب ترجمة كلمة Disruption من ناحية معيّنة من تطبيق المصطلح, و أما من خلال قراءتي لعدّة مصادر و مقالات, و منها كتاب Digital Disruption للكاتب James Mcquivey فأعتقد أن الترجمة الأفضل هي “المعمعة الرقميّة”.

ظهر المصطلح لأوّل مرة من قبل الباحث Clayton Christensen عام 1995, و الذي تحدّث فيه عن أثر الإنترنت في معرفة آراء الزبائن و المنحى الجديد لتطوّر المنتجات, و بعدها اشتُهر المصطلح و تم اعتماده من قبل عِدّة جامعات, و اليوم يعتبر James McQuivey و كتابهُ الشهير أحد أهم المراجع. تبعاً ل Mcquivey فتدور فكرة Disruption كونها الكلمة التي تعبّر عن التطوّر و التغيّر الذي يصيب المنتجات بشكل سريع جدّا و قد لا يكون في الحُسبان. و قد ربط هذا التطوّر السريع بالشبكات الإجتماعيّة و الإنترنت كونها الوسيط و المنصّة الضخمة التي تسجّل آراء المستخدمين و تعطي أصحاب الخدمات معلومات هائلة عن نشاطات زبائنها و اهتماماتهم و معلوماتهم الشخصيّة, و في هذا السياق تحتدم المنافسة بين الشركات في سرعة تعديل منتجاتهم القديمة بمنتجات جديدة تناسب ذوق و رغبة زبائنها.

يقول James Mcquivey عن Digital Disruption
القدرة على التطوّر بأقرب خطوة مُمكنة, و هذا يعني أن تُحدِّد ما يُريد زبائنك و بسرعة تُعطِيهمْ ما تستطيع تقديمهُ لهم اليَوم. في هذا الخِضَمْ نحن لا يُمكِننا تنبُّؤ  الشكل الذي سيكون عليه مُنتجاتنا بعد عِدّة سنوات, نحن نبدأ من أوّل خطوة نستطيع أن نُلبّي فيها حاجات الزبون و ندع المستقبل يُحدِّد مَسارَنا

كيف تتم هذه العمليّة على أرض الواقع؟

الجواب نجده في البيئة الرقميّة التي نعيشها اليوم, الشبكة الإجتماعيّة Facebook و Youtube, إمكانيّة التعليق على المنتجات في Amazon و المتاجر الإلكترونيّة, الصفحات الرسميّة للشركات, الأساليب الحديثة بدراسة الرأي العام. و هي بدورها تؤثر على جميع أنواع المنتجات من المواد الغذائيّة للمنتجات الإعلاميّة و البرامج و الأدوات الكهربائيّة والمنزليّة و الرحلات السياحيّة و حتى الأفكار السياسيّة و الأخلاق العامّة. فاليوم يجب جميع المنتجات أن تتعرض للdisruption, بل و إن عدم تعرُّضها سيؤدي لخروجها من السوق و زوالها. فال disruption هو القدرة على التحرّك السريع بترك المنتج الحالي لمنتج مُطوَّر عنه يُلبّي حاجات الزبون بسرعة تفوق سرعة المُنَافسين, أي أنك ستصل لزبائنك قبل الجميع.

خلال العشر سنوات السابقة, تسارع الdisruption للمنتجات بشكل سريع جدّا, فقد بدأت التكنولوجيا التي نعيشها اليوم على أساس مشاركة كل عدّة أفراد على إمكانيّة الدخول من كومبيوتر واحد على الأقل, و بسبب الحاجة الملحّة للتكنولوجيا الرقميّة و انخفاض قيمة انتاجها لتأخذ مفهوم فردي, و ليصبح لكل فرد جهاز كومبيوتر خاص به. و منذ عدّة سنوات تعدّى هذا النطاق ليصبح لكل فرد عدّة أجهزة كومبيوتر, فالهاتف الذكي و التابليت و اللابتوب في العمل و البيت مكّنت الفرد من دخوله على الانترنت من جهازين على الأقل, و هو تطوّر كبير مكّن هذا المفهوم لتصبح الشركات موجودة داخل كل جهاز يستخدمه أي فرد و بالتالي الوصول له.

Simpsons

بعد قطع شوط في مفهوم Digital Disruption, أعود لأشرح عن سبب اختياري لكلمة “معمعة” معنى لكلمة Disruption, فهو المقصود منها مَعْمَعَةْ مَسار المُنتجات و تَطوُّرها, فهي لا تتطوّر على أساس محدّد مسبقا و إنما تمشي خطوة بخطوة مع آراء و طلبات الزبائن, فتطوّر المنتجات هو نشاط اجتماعي لِتَكون جزء من نشاط الأفراد داخل المجتمع, تتشارك معهم في حياتهم اليومِيَّة و تُشاركهم في حل مشاكلهم اليوميّة بعدّة خيارات بسيطة على أجهزتهم الرقميّة, كما حدث مع رانيا خلال يوم عملها المتعب, و كما يحدث مع الغالبيّة من قرّاء هذه التدوينة. سأتابع شرح عن تفاصيل عمليّة أكثر في التدوينة القادمة.

Advertisements

2 thoughts on “Digital Disruption المَعْمَعَة الرقْمِيّة

  1. السلام عليكم
    أشكرك من كل قلبي على الشرح البسيط الممتع ،وفِي الحقيقة عندي مادة في الجامعة تتكلم عن هالنقطة ومطلوب مني عمل بحث عنها من ناحية استخدام
    Drones!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s