القَداسَةُ جُمُود

القوّة وحدها لا تكفي للحفاظ على البقاء, فديناصور الT-Rex يعدّ أقوى كائن عاش على كوكب الأرض و لكنّه انقرض, هو فقط لم يَتَّصِف بالمرونة الكافية لتجعله قادرًا على مواجهة المُتغيّرات البيئيّة من حوله. هذا المثال لاينطبق فقط على الكائنات, بل على كل ماهو موجود, قد يكون منتج, نظام سياسي, فكرة, دين, أو حتى لُغة.
.

الآن لنواجه الأمر بتجرُّد, بعيدًا عن كوننا مُتعلّقين و فخورين بكل ما نشأنا عليه, و بغض النظر عن عواطفنا الجيّاشة تجاه كل ما مررنا به من انتصارات و ملاحم تاريخيّة, فما نؤمن به الى زوال, لأننا مُتعصبون له. و القداسة التي نضفيها على معالم ثقافتنا كالقوميّة, أبطال الماضي, الدّين و الكتب السماويّة, و حتى اللغة العربيّة و الوحدة العربيّة أيضًا, هي ما يُهدّد بقاءنا و فشل تفاعلنا مع الآخر.
.
يشهد العالم تغيُّرات رهيبة على كل الأصعدة, و ماهو مُقبِلون عليه مختلف تمامًا عن كل ما درسناه في التاريخ, و يشارك في هذا التغيير باحثون و علماء و جامعات من كل أنحاء العالم, و ما يثير تساؤلاتي دائماً, لم العرب غائبون عن هذا التحرُّك الكبير. لن أقول هنا أن الإسلام غائب لأن الإسلام الآسيوي ليس غائباً عنه, و لأن الكثير من المسلمين الذين اتّصفوا بالمرونة أيضاً استطاعوا أن يتجهوا في ذلك الاتجاه. و لكن هذه المصيبة اليوم و هذا الخطر الذي نواجهه هو يختص غالباً بالعرب المسلمين في منطقتنا, كمُجتمع و ثقافة مازالتا تنقسم و تواجه المزيد من العصبيّة.
.
إن القداسة الوهميّة التي نعيشُها مع لُغتنا “كونها لُغة القُرآن الكريم” و العواطف الجيّاشة التي نتبادلها كعرب “أفكار ساطع الحصري و آخرون” تقف عائقاً كبيراً أمام هذا التغيير, لا أعرف متى تحديداً توقّفنا عن التطوُّر, و لكنني متأكّد أننا خرجنا من قائمة الأمم المُعاصرة في وقت ما في مُنتصف القرن الماضي, ربما الستينات أو السبعينات. و اليوم نحن نعاصر نتائج هذا الخروج المحزن.
.
الآن, إلى أي مدى سيكون العمق الذي ما زلنا نتدحرج نحوه, متى سنصطدم بالقاع, أو أكثر ما يخيفني هو السؤال, هل سيكون هنالك قاع نصطدم به ليوقف انحدارنا؟
.
و لكن ما يدور في رأسي هو الفكرة الجنونيّة التي تبقيني صاحياً لليالي طويلة, إن كنّا قادرين على إيقاف هذا الإنحدار بإرادة و تفكير مقصود و مُخطّط. و هو يتطلّب عمل جبّار من جميع المُؤسّسات الاجتماعيّة قاطبةً. و في الواقع أنّني لا أراها فكرة مستحيلة, فخلال القرن الماضي الكثير من القضايا الأخلاقيّة المستحيلة باتت اليوم مُحقّقة بل و مُسلَّم بها. فمثلاً, حصول الأفارقة على العدالة الإجتماعيّة في الدول الغربيّة, منذ مئة عام كان السُّود يُقتادون من أفريقيا إلى الغرب بقيود مُحمَّلين بصكوك مُلكِيَّة تابعة لتُجَّار العبيد. و من خمسون عاماً فقط, نجح مارتن لوثر كينج جونيور بإعطاء الأفارقة السّود حقّ الإنتخاب في الولايات المتحدة. و الآن نجح حتى المثليُّون جنسيًّا في الحصول على الحقّ الشرعي للزواج في أغلب الدول الغربيّة, و نحن العرب المُسلمون ما زلنا نندب و ننوح على أنفسنا و نقول “ما باليد حيلة”. نحن من نجعل من أنفسنا عُرضة لكل هذه الخسارة و الهبوط, و نعوّل الأمر على قداسة كل ما نؤمن به أن النصر لقريب.
.
تقودنا القداسة للزوال, لأنّها لا تزال تعطينا الإيمان بالأبطال الذين سيُرسَلون ليُعيدوا إلينا أمجادنا, نحن مُقدَّسون, فالله لن يتركنا و سيهب لنصرتنا يوماً. و لُغتنا مُقدّسة  و لا تقبل هذا الهراء الحديث, و أخلاقنا هي الفطرة و القلب الصادق, و لازلنا ننتظر ذلك اليوم بكلّ صبر و رضى عن كل ما نمرّ به من فشل. لنواجه الأمر, لسنا مُقدَّسون و لا أخلاقنا مُقدَّسة. بل القداسة هي الداء الذي يمنعنا من المرونة, أن نمضي قُدُماً نحو مستقبل لا نعرفه بعد. قد تبدو الفكرة جنونيّة و لكِنَّها على الأقل هي آخر ما تبقى لنا من أمل, قبل أن نشهد هبوطنا حتى الفناء.. كما أن الحاضر اليوم أسوأ مما توقعنا منذ عِدّة أعوام, فسيكون المستقبل أسوأ مما نظن اليوم.
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s