هل حان لنا أن نقول وداعاً للقصّة القديمة؟

إنّ أي إنسان فيه أي شعور بسيط بانتمائه للإنسانيّة سوف يأسف للمجزرة التي حصلت يوم أمس في باريس, سوف يأسف كما يأسف كل يوم على الضحايا في بلدي الحبيب سوريا و اليمن والعراق و ليبيا و مجاعات إفريقيا و أوكرانيا و أي بلد آخر على هذا الكوكب الذي لم يعد يتسع للجميع, و ما زال الإعلام عالميّاً و محليّاً مُتمسّك بنفس القصّة القديمة, الخير و الشر, الإرهاب و السّلام, هو ذاته الأسلوب الذي مازال الإعلام المُمَوَّل يعمل عليه منذ نشئته و هو الديعاية (البروباغاندا), سياسة الأصدقاء و الأعداء و القوّة و السيطرة و التلاعب بالعقول المتبع في الإعلام الإخباري التقليدي مثل CNN و الجزيرة و BBC و غيرها من القنوات الإخباريّة قاطبةً على التلفزيون. تبعاً للأرقام فإن هذا النوع من الإعلام يخسر الكثير كل عام, و إليكم الأرقام.

.
عائلة عصرية
.
أظهرت دراسة مركز Nielsen للأبحاث الإعلاميّة أنّ القنوات الإخباريّة التقليديّة مجتمعة تخسر وسطيّاً 12 في المئة من متابعيها سنويا منذ عام 2012, و هذا رقم كبير جداً. و أما استفتاء Gallup فقد أظهر أن فقط 23 في المئة من متابعي الإعلام الإخباري في الولايات المتحدة يثق في الإعلام الإخباري التقليدي. و في دارسة أخرى أيضاً أجراها معهد Newseum أن 24 في المئة من متابعي الإعلام الإخباري التقليدي يثقون فيه; ليؤكّد نفس الرقم الذي ظهر في دراسة Gallup, و هو تراجع بنسبة 17 نقطة بالنسبة للعام الفائت و 22 نقطة بالنسبة للعامين الفائتين, و هي أدنى نقطة وصلها منذ إطلاق هذا السؤال منذ عام 2004. و تُشكّل الفئة العمريّة من 18 إلى 29 فقط 7 في المئة من هذه النسبة. فالأجيال الجديدة تقريباً لا تثق و لا تتابع الإعلام الإخباري التقليدي تبعاً للأرقام.
.
و في حين فإن 3 من اصل 4 صحافيّين يعتقدون أن الشبكة الإجتماعية تُعطيهم القدرة لنشر قصصهم و تقاريرهم دون رقابة من الإعلام المُمَوَّل ذو البروباغاندا, و هي خطوة أكبر تجاه دقة الأخبارفي الإعلام الحديث. و قد تصدّر Twitter ثقة الصحافيين تبعا لدراسة Edelman التي أجراها في مطلع شهر أوكتوبر الفائت. فأسلوب القصّة التقليديّة الذي يصفه فئة كبيرة من الصحافيّين بات غير جدير بالثقة على حد قولهم, و أنّها و إن ما زالت مؤثّرة على فئة ما من الجمهور, و لكنها تخسر فئة كبيرة كل عام في جميع أنحاء العالم, فلم يعد أحداً يقبل قصص الخير و الشر, الإرهاب و السلام, أصبحت الألاعيب مفضوحة, و السبب الرئيسي وراء ذلك هو ارتفاع سويّة ثقافة الفرد عن العالم و الإنسان.
.
إن أي قناة إخباريّة جديدة أو قديمة تدخل الساحة أوّل سؤال يسأله أي متابع ذو درجة تعليميّة بسيطة هو “من هي الجهة التي تموّل القناة؟” و أضمن لكم أعزائي أن هذا السؤال كفيل لكم بمعرفة توجّهات القناة و أجندتها و أهدافها و حلفاؤها على الأرض و على الخلفيّة السياسيّة و حتى أحياناً حلفاؤها من تحت الطاولة, و المضحك أكثر من ذلك أن معظم توقعاتكم ستكون صحيحة صدقوني. و هذا يدل أوّل شيء على قلّة مهنيّة الصحافة و الإعلام, و أيضا يدل على انتهاء مدّة هذا النوع من الإعلام, فالرسالة الإعلاميّة إن لم تكسب ثقة الجمهور فلن تحقق هدفها بالتأثير عليهم.
.
.
يتحوّل الثقة في الإعلام من الثقة بالمؤسّسة إلى الثقة بالفرد ذاته, فمعظمنا بدأ يشعر بمصداقيّة فلان من الصحفيين أو الفاعلين في المجتمع فيبدأ بمتابعتهم على الشبكة الإجتماعية, فهو يعتقد أن هذا الشخص جدير/ة بالثقة, أما على صعيد الشركات و المؤسّسات فجميعها سقطت. حيث أن وسائل الإعلام الحديثة غيّرت من مُمارسة الإعلام كَكُل, و غيّرت أيضاً من أسلوب تعاطي الأفراد مع الرسائل الإعلاميّة و المحتوى, فنحن ننتقل إلى العصر الإعلامي, الذي أصبحت فيه ممارسة الإعلام بجميع أنواعه نشاط فردي عادي, يمكن لأي شخص مهما كان اختصاصه أن يتألّق فيه و ينال الشهرة و الثقة المرجوّة.
 .
إن هذه التغيّرات جميعها واضحة و جليّة لفئة كبيرة لأي متابع على الميديا, و لكن السؤال الذي أتمنى أن يجاوبني عليه أحد; هل فعلاً نحن نشهد انتهاء هذه المعادلة الصعبة؟ هل وصل الإنسان لمرحلة الوعي التي ستمكّنه من النظر لأخيه الإنسان دون أي فوارق؟ ماهي القصّة الجديدة؟ هل هي بزوغ الإنسان كصنف على الأرض يعمل لإعمارها و لنصرة أخيه الإنسان؟ هل القصّة الجديدة ستكون قضايا البيئة و العدالة الإجتماعيّة و محاربة الجهل؟ لا أعلم إن كان مصدر هذه الأسئلة هو حلمٌ غبي أم منطق و مستقبل حقيقي مستند لما أراه على وسائل الإعلام, و لكن حتى و إن كان حلماً غبيّاً فلا أنوي التخلُّص منه.
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s