قِيَم المؤسَّسَة, نَظرة نحو السلوك الإعلامي للمؤسَّسات العربيّة

عادة ما تبدأ المؤسّسة; تجاريّة كانت أم خيريّة أو حتى سياسيّة, حملتها الإعلاميّة على صعيد العلاقات العامّة بنشر مقالات لتُعرّف عن نشاطها, و تبدأ بطرح القيم الأخلاقيّة و الإجتماعيّة التي ستعمل عليها لتبني الصورة الإيجابيّة التي تطمح للحصول عليها بعد انتهاء الحملة و تدفع أموال طائلة لقاء ذلك. و لقد ابتدأت المؤسّسات العربيّة سلوكهم بهذا النحو منذ عدّة سنوات عند ابتداء دخول الإنترنت لحياة الفرد العربي,  و ما لاحظته أيضا بأسلوب طرح هذه المؤسّسات هو محاولة تبنّيهم أكبر عدد ممكن من القيم الأخلاقيّة, و هنا تكمن المشكلة.

 .
إن الإتجاه الذي تذهب نحوه الشركات الإحترافيّة الضخمة و المخضرمة في مجال العلاقات العامّة هو اختيارهم لقيم مُعيّنة قد لا تتجاوز الإثنتين و تركز كل التركيز في بناء المحتوى على هذا الأساس, فكثرة الرسائل الأخلاقيّة و القيم تفقد السيطرة على المحتوى, و محاولة تبنّي عدد كبير من الأفكار و القيم يُضيّع من تميُّز الشركة و صورتها الواضحة لدى الجمهور.
يقول ستيف جوبز
“يعتقد الناس أن التركيز هو قبول كل الأفكار الإبداعيّة التي تمر بطريقك و تبنيها. و لكن هذا مفهوم خاطئ, فالتركيز هو أن تقول (لا) لمئات الأفكار الجيّدة أيضا, عليك أن تختار بحذر ما تريد أن تتبناه و تركّز عليه. و أنا فخور جدّا بالأفكار الجيّدة التي قررّت أن لا أتبناها بنفس القدر من الفخر بالأفكار الجيّدة التي تبنيتها”

CC Apple Macworld

المُشكلة الثانية في تبني عدد كبير من القِيَم هو فقدان أنسنة المؤسّسة, و ما أقصد به هنا هو توليد ذلك الإنطباع عن المؤسّسة على أنها فرد من المجتمع يستحق الثقة و التقدير, فإن المؤسّسة لن تنجح في توليد المشاعر و القيم المنشودة إلا إذا استطاعت أنسنة نفسها لتكون قريبة من الأفراد و تؤثّر في مشاعرهم و تشاركهم أفراحهم و أتراحهم. لذلك فإن أفضل طريقة يتبعها مُمارسوا العلاقات العامّة في إتخاذ قرارتهم نحو نشاط الشركة الإعلامي و تصريحاتها هو اعتبار أي نشاط على أنه فرد يتعامل مع فرد, أي تبسيط نوعيّة الإتصال إلى أبسط درجة من أنواعه و من ثم تُبنَى الرسالة على أساس الإتصال الجماهيري, فإنك لن تكون قادراً على فهم ماهيّة ما يحدث بين المؤسّسة و الجمهور إن لم يكن بإمكانك تبسيط هذه العلاقة على المستوى الفردي.

 .
تخيّل نفسك جالسا مع أحد التجّار التقليديين الذين يحاولون دوما إعطاء النصائح و الفضائل على الجميع, ستجلس معه و خلال ساعه واحدة سيقوم بالحديث عن عشرات القيم الأخلاقيّة و كأنه نبي أو ملاك أُنزِلَ من السماء و من ثم عند دخول أول زبون تراه يستخدم كل طرق الإقناع ليبيع بضاعته مهما كلّف الأمر, رُبَّما ستأخُذك هذه المحاضارت و الفضائل في البداية نحو انطباع جيّد و لكن سرعان ما ستعتبره دجّال عند أوّل سلوك أناني يُظهِره ذلك التاجر. تخيّل هذا المثال على المؤسّسات و الشركات. و في الحقيقة إن هذا مازال واضحاً على أغلب شركاتنا و مؤسساتنا. و هذا ما أقصده بتبسيط نوعيّة الإتصال لأبسط درجاتها.
.
تختار الشركات الضخمة قِيَمها على عدّة أصعدة, و يجب أن تتميّز في كل من هذه الأصعدة و أن تكون جميع هذه القيم متكاملة مع بضعها البعض. و هي:
     – القيمة على صعيد المنتجات (بماذا تتميّز منتجاتها).
     – و القيمة على صعيد الفرد (ماهي التجربة الخاصة و القيمة التي ستضيفها على كل فرد عند استخدامه لأحد منتجاتها)
     – و القيمة على صعيد المجتمع المحلّي (كيف ستشارك المؤسسة في حل مشاكل المجتمع و تكون موجودة بقربهم)
     – و أخيراً على نطاق الإنسانيّة (ماهي أبحاثها و كيف ستفيد هذه الأبحاث بجلب الرخاء و النموّ للبشريّة).
.
غالبا تختار المؤسسات قيمة واحدة أو اثنتين ليس أكثر في كل من هذه الأصعدة, و تعمل عليها لسنوات كثيرة لكي تنجح في حجز الحيّز الذي تريد أن تحتلّه في عقل الأفراد. مثلاً على صعيد جودة الهواتف الذكيّة إذا سألت الأغلبية فشركة Apple هي التي تحتلها في عقل المستهلك. أما على صعيد التوافر للجميع ف Google بنظام Android هي من تحتله لسبب تشغيل نظامها على الكثير من الأجهزة في العالم. هذا هو المقصود بالقيمة, يمكنك كل فترة أن تهاجم قيم غيرك كمثلاً عندما تهاجم Samsung أجهزة Apple على أن شاشاتها سريعة الكسر و لكنها تعلم تماماً أين موضعها في عقل المستهلك.
.
إن اختيار القيم هو ليس بالعمل السهل أبدا, و بالذات للمؤسسات القديمة العهد, فاختياراتها ستكون صعبة و قد تتخلى عن التوجه لشريحة أو اثنتين من أجل تأمين ذلك الحيّز الذي تريده في عقل المتلقّي, فالمؤسسات الحديثة العهد; ربحية كانت أم لا ربحية أو  حكومية و سياسيّة, غالبا هي تقوم لتلبية ما هو لم يلبيه أحد من قبل, أما المؤسسات الحاليّة فسيكون قرارها أصعب. من المهم أن تتحرك المؤسّسات في الشرق الأوسط نحو هذا السلوك فإن المتلقي العربي يفقد الثقة بالكثير من المؤسسات الحكومية و الرسمية بسبب ضياع هذه المؤسسات في اختيار قيمها و اختيارها أن تصرف مواردها لتدمير بعضها عوضا عن استثمار الفرد في البناء و التقدم.
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s