عصر الحداثة, بدايةُ تغيير

http://goo.gl/gVVfSL

عاشت أوروبا الكثير من الحركات, و ما يميّز الحركة الثقافيّة الأوروبيّة أنها أثّرت و تأثّرت بالسياسة و المتغيّرات اللإقتصاديّة و الطبقيّة و الحروب و المكتشفات العلميّة. دخلت أوروبا حرب الثلاثون عاما في انفصالها عن الكنيسة سنة 1616, و عاشت فترة طويلة من التخبط و الصراعات. ثم أعادت أوروبا تاريخها في الحركة الكلاسيكية الحديثة في منتصف القرن الثامن عشر و تعتبر امتداد للحركة الكلاسيكيّة في القرن الثاني عشر, و التي بدورها كانت متأثرة تأثرا كبيرا في علوم و آداب و هندسة اليونانيين و الرومانيين القدامى. و من ثم تلتها الحركة الرومانسيّة  التي بدأت في أواخر القرن الثامن عشر و تزامنت مع الثورة الفرنسيّة و نتائجها و التغيّرات التي عاشها المجتمع الأوروبي وقتها, و هي تعتبر نفسها الثورة ضد العقلانيّة الكلاسيكيّة و التي أنتجت الكثير من الفروقات في المجتمع, لتصبح المشاعر الإنسانيّة هي أساس القيم و الأخلاق و المعايير الجمالية للحياة, جميع ذلك أدّى إلى انتشار مبادئ العدل و المساواة بين طبقات المجتمع, و تمثلت الهندسة المعماريّة القوطيّة و كانت الطبيعة و الأمطار و العواصف مواضيع الرسم في تلك المرحلة, و اقترن الإنسان بجانب الحيوان في تمثيل المشاعر الحقيقيّة و الرجوع إلى الطبيعة العارية من كل التصنيفات الإجتماعيّة, و في نهاية عصر الرومانسيّة كانت الإكتشافات العلميّة حول أصول الإنسان و الطبيعة تعطي مفهوما جديدا هيئته للدّخول في عصر الحداثة.
.

عصر الحداثة Modernism

بدأت حركة الحداثة في أواخر القرن التاسع عشر سنة 1880 تقريبا, و هي مرحلة انتقل فيها الإنسان الغربي من كل شيء قديم إلى تحديث كل شيء, على صعيد الفلسفة و الأدب و العلوم و العقيدة, و الهندسة المعماريّة و المدنيّة, و الفنون البصريّة و الأفلام و التصميم الجرافيكي و الرسم و التفكير النقدي, و استعرض قوّة الإنسان لخلق عالمه الخاص و تغييره و إعادة تكوينه كما أراد, و رفض فكرة أن الكون خلق على قانون ثابت أو شاكله معيّنة لا نستيطع تغييرها بسبب حمايتها من قوى فوق بشريّة. اهتم الحداثيّون في تحليل كل ما يعيق تفكير الإنسان و الثورة عليه, العادات و التقاليد و حتى القانون, و ساعد على ظهور عصر الحداثة الأنتولوجيا و الإكتشافات العلميّة في تلك الفترة و التي أجابت على الكثير من التساؤلات عن تاريخ وجود الإنسان و الطبيعة, فاستطاع العلم أن يلغي بعض القواعد الإيمانيّة التي كانت منتشرة في أوروبا قبل ذلك الوقت, فاكتشف الإنسان أن أصوله لا تعود لآدم و حواء و إنما هو  تطوّر من أحد أنواع القرود, و تطور علم النفس و علم الإجتماع و انتهج مبدأ التحليل النفسي الذي عرّف الإنسان كيف تعمل النفس, و أرجع مصدر المشاعر و الرغبات و العوارض النفسيّة إلى الحاجات و نسب الهرمونات في الجسد بعد أن كان سائدا أن من يقودها هي الروح, و حتى بعض العوامل الجويّة كهطول المطر ظل الإنسان يؤمن أنها من قدرة الخالق وحده فأثبت العلم عكس ذلك باكتشاف طرق لإهطال المطر, و الكثير من الإكتشافات.
.
على صعيد الثقافة ظهرت الحركات و المدارس الفلسفيّة في الأدب و الفنون, و سأذكر أههمها;
.
الرمزيّة Symbolism, ظهرت في وقت ما بين الانتقال من الرومانسيّة و الحداثة حوالي سنة 1870, و كانت كرد فعل عن الواقعيّة و الطبعانيّة (تشارلز داروين) التي كانت منتشرة خلال تلك الفترة, فالتشبث بالمنظر الواقعي الحقيقي بدأ يضع الإنسان في قالب جامد خالي من الروحانيّة مما أدّي إلى نفور بعض الأدباء و الفنانين نحوها. لجأ أتباع الرمزيّة لإطلاق العنان للمخيّلة و الروحانيّة. أصدر الشاعر موريه في بيانه الشهير الذي سمّي في ما بعد ب”بيان الرمزيّة” 1880 و الذي سمّى فيه شارل بودلير و ستيفان مالارم و بول فيرلاين كرائدين في المدرسة الرمزيّة, حيث أن الرمزيين يعتقدون أن الفن يجب أن يمثل الحقيقة المطلقة و التي لا يمكن وصفها إلا بشكل غير مباشر, لذلك لجؤوا للإيجاز و الإيحاء في الوصف و منحو صور و رموزا معيّنة للأشياء التي أرادوا الكتابة عنها. لاقى هذا الأسلوب انتشارا واسعا في كل أنحاء أوروبا, و من ثم أثّرت على الرسم و الهندسة المعماريّة و المسرح و التصميم.
.
الإنطباعيّة Impressionism, كانت الفكرة من رسمة لأحد لوحات كلاود مونييه في إمكانيّة رسم لحظة معيّنة من أشعّة الشمس بنقل المؤثرات البصريّة للّحظة الملتقطة عوضا عن رسم التفاصيل كما كان يجري في العادة. تذكر القصة أنه بعد عودة كلاود مونيه إلى باريس بسبب مرضه بحمّى التيفوئيد بعد إرساله للقتال في الجزائر, أثّرت عليه طبيعة الألوان المتوهّجة في البيئة الصحراويّة للجزائر, و بعد شفائه أصبح يرتاد إلى غابة فونتينيلو هو و صديقه بيير أوغست رينوار لرسم الطبيعة. و من ثم سافر هاربا من الحرب الروسيّة الفرنسيّة إلى لندن و أصبح يرتاد حدائقها لرسم الطبيعة هناك,  و في عام 1874 رفضت أعمال مونييه و أصدقائه الإنطباعيين في المعارض البريطانيّة مما جعلهم يقيمون معرضهم الخاص الذي سمي ب”صالون المرفوضات”, و لكن مالم يكن متوقعا هو نجاح هذا المعرض ليصبح مدرسة جديدة في التصوير و الرسم, لكن ظلت مدرستهم مرفوضة في منهاج الفنون الجميلة للجامعات البريطانية لفترة بعد نجاحهم, و قد انتقلت طرق هذه المدرسة إلى الجيل القادم من الفنانين مثل فينسينت فان غوخ. و من ثم أثرت هذه المدرسة على الموسيقى كالمؤلفين موريس رافيل و كلاود ديبوسي, و على الأدب أثرت الإنطباعيّة في طريقة وصف الواقع لدى الكثير من الكتاب و الشعراء و الروائيين الذين عاصروا تلك الحركة.
.
الدادا Dada, عاش الأوروبيّون خيبة أمل كبيرة خلال الحرب العالميّة الأولى حيث انتشرت الطليعيّة (استخدام الفن لمصلحة السياسة) و استطاعت التمكن من أدلجة أغلب المظاهر الفنيّة و الثقافيّة في تلك الفترة, فثارت مجموعة كبيرة من الفنانين و الأدباء ضد كل التقاليد و القوانين الثقافيّة و الإجتماعيّة بسبب فشل الفن و الأدب في تحرير المجتمع 1916, فكان منهم أن تبنّوا كل ما هو فوضوي و لا عقلاني, بحثوا عن التجديدعلى كل الأصعدة. و قد وصفت الدادا نفسها على أنها رد فعل على ما رآه و عاصره الإنسان من مشاهد الجنون و القتل الجماعي. انتشرت الدادا في جميع مدن و عواصم أوروبا و انتقلت إلى نيويورك, و شكلت هناك عدّة حركات منها الدادا النيويوركيّة New York Dada والتي تعتبر نفسها في بعض الأحيان منفصلة عن الدادا الأوروبيّة لأنها كانت ذات طابع ساخر و اعتمدت حس الدعابة, فالدادا الأوروبيّة كانت متأثرة جدا بأهوال الحرب مما جعلها أكثر عدائيّة. أثرت الدادا في الرسم فاستخدمت المقص و الصمغ (الكولاج) عوضا عن الفرشاة و الألوان, و أثرت الدادا النيويوركيّة لاحقا على تطوّر طرق التعبير في وسائل الإعلام كالصحافة و المونتاج و الفوتوغراف. وصفت الدادا من قبل نقادها على أنها أساس السرياليّة و الفن التجريدي و الحس السليم, و نقطة إنطلاق جديدة للفن, و اعتبرت لاحقا تمهيدا لعصر “ما بعد الحداثة”, و أثرت على الموسيقى الكلاسيكيّة و نشوء فن البوب. و من أعلامهم مارسيل دوشامب و تريستان تزارا و هوجو بال و أيمي هينينز و مارسيل جانكو.
.
ساعة سيلفادور دالي, أهم معالم السرياليّة

ساعة سيلفادور دالي, أهم معالم السرياليّة

السرياليّة Surrealism, ظهرت في فترة تقع بين 1919 و 1921, و قد كانت ثورة أخرى في طريقة طرح الواقع و اقترانه بالخيال و الجنون. وضع السرياليّون صور متباعدة من الواقع في نفس الإطار, و أضافوا لها تفاصيل جديدة مأخوذة من الحالة اللاشعوريّة للإنسان (تأثّرا بوصف سيجموند فرويد للاشعور) مع دقة في التصوير, و تميّز السرياليّون أغلبهم بالعبثيّة و اللامنطقيّة و عنصر المفاجئة في أعمالهم و أفكارهم حتى ظهرت في شخصيّات بعض منهم كسيلفادور دالي, و قد أخذت السرياليّة من الدادا إنشاء العمل لغرض طرح الواقع فقط بطريقة مختلفة فلم يكن ضروريّا أن تكون هادفة أو لوضع الجمهور في حالة أو معنى يريده الفنان أو الكاتب, و إنما لترك الجمهور يفهمها بحسب خبرته في رؤية الأشياء من حوله.  ظهرت الحركة بداية مع تجربة أندريه بريتون بتجربة الأسلوب التلقائي في الكتابة, و هو أسلوب التلقائيّة الذي طوّره من الدادائيّة في عدم إتباع الأسلوب التقليدي و المقونن في الكتابة و التعبير الذي يحبس الكاتب بين قضبان الأسلوب و القوانين مما يخلق رقابة ذاتيّه في تدفّق الأفكار من العقل إلى الورق. و تبعه في هذا الأسلوب عدّة كتاب آخرين إذ بدت فكرة الإنتقال لأسلوب جديد في التعبير بغرض الخروج من الأهوال التي سببتها الحرب العالميّة الأولى رائجة في ذلك الوقت. بدا أسلوب السرياليّة يلقى رواجا فالكثير وجده أقل عدائيّة من الدادا في مواجهة المجتمع. تبعه مجموعة كبيرة من الأدباء و الفنانين كسيلفادور دالي و الذي يعتبر أحد أهم أعلامها و ماكس ارنست و بينجامين بيريت و بول إلوار و الكثير غيرهم, و قد تأرجح أغلب أتباعها بين الدادا و السرياليّة لما كان فيهما من تشابه. كان للسرياليّة أثرا كبيرا في التأثير على جميع الفنون أيضا كالسينما و الموسيقى و التصوير الفوتوغرافي و المسرح, و حتى على الفكر و النظريّة النفسيّة و الإجتماعيّة, و كان لها أتباعها من جميع بلدان و لغات العالم, و استمرّت إلى ما بعد الحرب العالميّة الثانية كمدرسة رائدة في التعبير و الإبداع.
.
ظهور وسائل الإعلام الحديثة: الراديو, التلفزيون, السينما
خلال كل تلك النكبات و التغيرات في أوروبا كانت أمريكا تحضر لإختراعات ستبهر العالم, و هي على وجه الخصوص وسائل الإعلام الحديثة, حيث بقيت البنى التحتيّة و المجتمع الأمريكي بعيدا عن كل الخراب و الدمار الذي لحق أوروبا خلال الحرب العالميّة الأولى و الثانية, فاستطاعت النهوض في الفترة التي كان العالم يتدمّر و يتهاوى رأسا على عقب. لجأت أغلب الأدمغة من كل أنحاء العالم للولايات المتحدة احتماء بها, و بالمقابل لم تقيّد أمريكا هؤلاء المفكرين بل أطلقت لهم العنان للتعبير و البحث و الإبداع و الإنتاج فيها. كان للمدرسة السرياليّة الحظ الأوفر في الإنتاج السينمائي فقد تزامن نشئتها مع ظهور السينما و التلفزيون سنة 1930, و قد اعتبرت كأول مدرسة ترتبط بالسينما. أهتمّ السرياليّون بالسينما كوسيط جديد للتعبير, و الذي أعطاهم قدرة جديدة في طرح الواقع بأسلوب لافت للنظر اعتمد عنصر المفاجئة و الذي كان أهم أساليبهم, و كان أندريه بريتون و جاك فاشيه من أهم نقّاد السينما في أمريكا, و رؤوا في أفلام التشويق التسلسلي و أفلام التحقيق البوليسيّة القصيرة التي كانت تعرض كل أسبوع في المسارح, على ما كانت تحمل من قدرة على إبقاء تشويق المشاهدين حتى صدور الجزء الآخر من الفيلم و الذي أصبح لاحقا يدعى بالمسلسلات. و قد وجدوا في السينما و التلفزيون طريقة جديدة للخروج من قيود الواقع, و إعطاء المخيّلة مرحلة جديدة من التعبير و تركيب الصور, و قد استطاعت السينما أن توفر لأغلب المدارس و التوجهات الثقافية بيئة أوسع للتعبير من التي وجدوها في المسرح, و بعد اختراع VHS (نظام الفيديو المنزلي) في الستينات, أعطى السينما و التلفزيون القدرة على الإنتشار و دخول المنازل و التسجيل و إعادة العرض, و أعطى الثقافة القدرة على التوثيق و الإنتقال عبر المكان و الزمان. و قد تعاون أهم المخرجين في أمريكا مع فناني السرياليّة في تنفيذ اللقطات الحالمة و اللاواعية في أفلامهم كتصميم سيلفادور دالي لبعض مقاطع الأحلام لأفلام ألفريد هيتشكوك. و عمل دالي أيضا فيلما مع والت ديزني, الفيلم القصير Destino (ديستينو) و الذي أصدر لاحقا في 2003. و أعمال لاحقة في التسعينات و حتى بعد الألفين كبعض من أعمال المخرجين دايفيد لاينش و نيكوس نيكولايديس الذين كانوا متأثرين بالسرياليّة.
الصورة من موقغ تمبلر http://goo.gl/gVVfSL

صورة لألفريد هيتشكوك و سيلفادور دالي الصورة من موقغ تمبلر
http://goo.gl/gVVfSL

.

مظاهر ثقافيّة أخرى
كانت أوروبا تحتل الإنتاج الصناعي و التمركز الرأسمالي في العالم, و لكن محاولتها لأدلجة الثقافة و تسخيرها لتخدم قضاياها السياسيّة جعلها تدفع الثمن غاليا, فدخلت في الحرب العالميّة الأولى و الثانية, و خسرت أدمغتها بسبب خيبة أملهم من حكوماتهم فهربوا لأمريكا و كانت أمريكا ذكيّة فاستقبلتهم و أمنت لهم البيئة المناسبة لإكمال إبداعهم. كانت الصناعة في أمريكا تتعلّم من أخطاء الرأسماليّة الأوروبيّة التي وصفت بالجشع و الفساد, فلم يكن يهتم المصنعين الأوروبيين آراء المستهليكن بمنتجاتهم, و كانوا مشغولين بجمع المال لتمويل الحروب التي كانوا يقودونها, و كانت لطريقة سيجموند فرويد في التحليل النفسي بداية للفت النظر نحو دراسة سلوك المستهلك, رغباته و حاجاته, و أخذت المنتجات تأخذ تصاميم أكثر عمليّة و فنيّة. في تلك الفترة نشأت أحد أهم حركات الهندسة المعماريّة و هي حركة الباوهاوس Bauhaus, و التي ارتبطت خلال نشئتها الأولى مع التصميم الصناعي والنحت و أغلب الفنون التشكيليّة.
.
باوهاوس Bauhaus, نشأت مدرسة الباوهاوس على يد والتر غروبيوس في مدينة فايمار في ألمانيا. و تعني “مدرسة البناء” أو “بيت الإنشاء”, انتشرت في أهم المدن الألمانيّة و وصلت إلى برلين سنة 1930, و لكنها لم تلاقي الحظ في البلد التي نشأت به بسبب تحكّم الفكر النازي في ألمانيا و إعلان حربهم على كل مظاهر الثقافة التي لم تعجبهم, فالباوهاوس كانت تنادي بترك القوانين و القوالب التقليديّة في التصميم و تبنّت الأشكال الهندسيّة البسيطة و الأوليّة و الخطوط المستقيمة, ما جعل النازيّين يرونها خروجا عن التقليد الألماني في التصميم, مما أدّى لهرب أتباعها إلى جميع أنحاء العالم خوفا من بطشهم. كانت أفكار الدادا و السرياليّة (التي دعت للخروج عن كل ما هو تقليدي و مقيد في التفكير و الفن و التصميم) تلاقي رواجا كبيرا في أوروبا و أمريكا أنذاك, فقوبلت الباوهاوس بترحيب كبير في أوروبا و على وجه الخصوص روسيا الإشتراكيّة و الولايات المتحدة. استطاعت تصاميمها تلبية حاجات الإنسان في التوسّع المدني و بناء المدن و تصميمها, و غزت أساليبها في التصميم جميع الصناعات و حتى في الأزياء و التصميم الصناعي, و اعتبرها البعض امتدادا لأفكار ويليام موريس و هو أحد أعلام حركة الفنون و الحرف اليدويّة Arts and Crafts سنة 1860 والتي نشأت قبل عصر الحداثة, و لكن على نطاق أوسع.
.
و على صعيد التصميم الصناعي تمكنت الباوهاوس من تغيير أسلوب الصناعة, إذ أن الصناعة الأوروبيّة للمنتجات كانت لا تعتمد على شكل المنتج النهائي و إنما على العرض و الطلب, أمّا الشركات الأمريكيّة فقد كانت أوّل من طوّر المنتجات لتحمل طابعا جماليّا كما لتناسب ذوق المستهلك, و لتكون عمليّة لتخدمه بأفضل طريقة. أثر أسلوب الباوهاوس في دمج التصاميم الفنيّة بالمنتجات التجاريّة بنشوء عالم جديد من الصناعة و التي كان من أهم معالمها الكرسي الكابولي من تصميم مارسيل بروير, فتطوّر فن التصميم الدّاخلي و الأثاث المنزلي لتأخذ طابعا من البساطة في التصميم و عمليّة في الإستخدام لتجلب الراحة للمستهلك و بنفس الوقت أقل كلفة, أدّى فكر الباوهاوس لظهور شركات ضخمة في التصميم الدّاخلي و أهمّها شركة IKEA أيكيا و التي غزت تصاميمها و أفرعها جميع أنحاء العالم.
.
حركة الباوهاوس هي ربط الفن بالصناعة, و شكل جديد للمعايير الجماليّة التي كان الإنسان بحاجتها لرفضه لكل المعايير الجماليّة التقليديّة بسبب الحرب العالميّة الأولى. و لأن الدادا كانت تحارب المعايير الجماليّة التقليديّة و السرياليّة لم تهدف لاقتارح معايير جمالية جديدة, فقدمت الباوهاوس حلّا مناسبا لإكمال هذا الإنتقال إلى عالم جديد من الإبداع و الفن. و اقترنت الباوهاوس بالأسلوب, و بعد لقائها كل هذا الإنتشار قال عنها الكثيرون “الباوهاوس هي ليست طريقة تصميم أو طريقة تفكير فحسب, إنها أسلوب حياة”.
تصميم الكرسي الكابولي أحد أعلام الباوهاوس http://www.archiexpo.com/prod/lifespacejourney/product-90166-1536959.html

تصميم الكرسي الكابولي أحد أعلام الباوهاوس
http://www.archiexpo.com/prod/lifespacejourney/product-90166-1536959.html

.
يوجد الكثير من المدارس و المذاهب الفكريّة الأخرى, العشرات منها, التي كانت نتيجة حاجات الإنسان في التعبير عن نفسه.. و بحثه الدائم عن حلول للمشاكل التي يواجهها.. إن الأنظمة التي قادت الإنسان إلى الحروب و الدّمار خيّبت آماله في الحصول على العدالة.. و جعلته يثور على كل الأنظمة الإجتماعيّة و القيود التي حاولت استغلاله و وضعه ضمن قوالب مسبقة الصنع.. إن كل الضوابط التي يسعى المجتمع استغلالها و الحفاظ عليها ما هي إلا رغبة الإنسان بالتحكم بأخيه الإنسان.. و إن الإنسان يدفع الثمن غاليا للحفاظ على هذه الضوابط و الأيديولوجيّات….. الدادا.. السرياليّة.. الباوهاوس.. و الكثير غيرها.. هي حركات ثقافيّة فكريّة هدفت لكسر التقليد و الخروج عن الضوابط التي كانت تحكم الإنسان آنذاك.. التلفزيون.. السينما.. الصحافة.. الراديو و جميع وسائل الإعلام.. جميعها أثّرت على الإنسان و أستطاع أن يؤثّر عليها.. فهي أدوات أتيحت له ليستطيع التعبير و ليستطيع إيصال رسالته لأسقاع الأرض.. و لكن هل استطاع الإنسان التحرر فعلا؟ هل كانت وسائل الإعلام حلّا لنتحرر من كل ما يتحكم بنا؟ و كيف تغيّر العالم بعد انتهاء عصر الحداثة؟
.
انتهى عصر الحداثة سنة 1971, و بقيت كل تلك المدارس و غيرها من المدارس تتنافس لتخدم الإنسان في التعبير عن نفسه. في التدوينة القادمة سأعرض عصر ما بعد الحداثة post-modernism  و ستجيب التدوينة القادمة على كثير من تساؤلاتنا حول القضايا التي نعاصر تأثيرها على حياة الإنسان و صراعه.
.
.
.
لوحة سرياليّة للرسام المعاصر فلاديمير كوش

لوحة سرياليّة للرسام المعاصر فلاديمير كوش

المبولة دادا

مبولة الدادا – من أكثر تصاميم التي أثارت الجدل 1917

هانا هوخ

هانا هوخ – فوتومونتاج و كولاج – صممت بسكينة مطبخ

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s