نظريّة “البيئة الإعلاميّة” للباحث مارشال ماكلوهان (1)… مقدّمة

في 1960 خرج الباحث مارشال ماكلوهان بروفيسور اللغة الإنجليزيّة في جامعة تورونتو على الساحة العامة و طرح أسئلة حول العلاقة بين وسائل الإعلام والثقافة. و كان المفهوم الذي طرحه ماكلوهان مفاجئا في ذلك الوقت, و ولّد حينها كلّ من المؤيدين لنظريّته و المعارضين لها. و كانت تدور نظريّته حول أن وسائل الإعلام يجب أن يتم تحليلها حسب بيئتها.

إن التغيّرات و التطوّرات التي يعيشها الإنسان في التكنولوجيا و الإتصالات و الإنترنت يغيّر من المعاني الرمزيّة للبيئة المحيطة بالإنسان, بما في ذلك البنية الإجتماعيّة و عالم الإدراك الحسّي للمعاني و الذي بدوره يشكّل تصوّرات الإنسان و خبراته و مواقفه و سلوكه حول القضايا في حياته اليوميّة.

“الوسيط هو الرّسالة”
مارشال ماكلوهان

في تدوينة سابقة على مدوّنة ثقافة ميديا استشهدت بأحد أهم مقولات مارشال ماكلوهان “الوسيط هو الرّسالة“, و تعتبر هذه المقولة أحد أهم ما جاءت به نظريّة البيئة الإعلاميّة. يقول ماكلوهان “ينشغل الكثيرين في تفسير الرّسالة و يهملون الوسيط الذي سوف يتم عن طريقه نقل الرّسالة“. فمثلا رواية “باب الشمس” للكاتب إلياس خوري, و فيلم “باب الشمس” الذي أخرجه المصري يسري نصرالله. إذا شاهدت الفيلم و قرأت الرواية فسوف تلاحظ الإختلافات بين الطرحين, و الإنتقاد في هذا الصّدد ليس جائزا, لأن الكتاب لا يمكن له أن يصبح فيلما و الفيلم ليس له أن يصبح كتابا, فكل وسيط له مزاياه و بيئته المختلفة تماما عن الأخرى.

و مثال آخر, المخرج جيمس كاميرون مخرج فيلمي Avatar و Titanic. لقد كتب كاميرون قصّة الفيلم Avatar بين عامي 1976 و 1977, و لكنه يقول أنّه كان يؤجّل تنفيذه بسبب عدم وجود تكنولوجيا كافية آنذاك ليتم نقل الصورة بالطريقة التي كتبها كاميرون, كان لابد من الإنتظار من أجل تحديث وسيط أفضل لصناعة و طرح القصّة بالطريقة الأفضل.

مثال أيضا, عندما تم إبتكار أشرطة الفيديو ظن الناس أنها نهاية السينما, و عندما أبتكر الإنسان الملفات الصوتيّة و ال mp3 أيضا ظن أنها نهاية الراديو. و لقد تطوّرت وسائط حفظ المعلومات من floppy disc لل CD و ال DVD و Flash-memory, و كان الهدف من هذا التطوّر هو إيجاد وسيلة تمكّن المنتجين من تخزين معلومات أكبر و قدرة أسرع على المعالجة مما أتاح لهم إيصال دقّة أفضل إلى المستهلكين. و الأمثلة لا تنتهي.

“عند النظر في التأثير الثقافي لوسائل الإعلام, فإننا غالبا ما ننخدع بتحليل المحتوى و اللإلتفات إليه أكثر من اللازم, و لكن المحتوى بالنسبة للوسيط, هو تماما مثل قطعة كبيرة من اللحم التي تلقى لكلاب الحراسة من قبل السارق ليتم إلهاء العقل عن حقيقة الرسالة”.
مارشال ماكلوهان

و يصبح الآن تعريف بيئة وسائل الإعلام أكثر وضوحا: هو الدراسة التي تتناول مختلف العوامل البيئيّة لوسائل الإعلام على الصعيد الفردي و الجماعي الذي يخلقه الوسيط الذي يتم استخدامه. و الوسيط قد يكون أفلام, أخبار, أغاني, كتب, ألعاب فيديو, رسائل قصيرة, أيميل, الصحافة الإلكترونيّة و المطبوعة, و كل ما يتعلّق بتكنولوجيا الإتصالات و المالتيميديا.

دليل التيليغرافي, صورة تعود لل1915, المصدر

دليل التيليغرافي, صورة تعود لل1915, المصدر http://earlyradio.blogspot.com/2010/09/wireless-telegraphy-manual-from-1915.html

أبعاد النظريّة

تبعا للنظريّة, فمن الضروري جدّا رسم صورة واضحة لمعرفة طبيعة عمل وسائل الإعلام كبيئة محيطة بالإنسان و كيفيّة تفاعله مع كل نوع من أنواع وسائل الإعلام, و غياب هذه الصورة سوف يكون مستحيلا فهم العلاقة بين التطوّر الثقافي و الإجتماعي المحيط بوسائل الإعلام. و لكن المشكلة هي أن تحليل بيئة وسائل الإعلام عمليّة صعبة جدّا, لأن كل نوع من أنواع وسائل الإعلام يخلق بيئة محتلفة, و جميع هذه البيئات غير ملموسة و متداخلة مع بعضها البعض. فالبيئة التي تخلقها الرسائل القصيرة بنقل الأخبار كالواتسأب مثلا هي مختلفة عن متابعة الأخبار عن طريق الشبكة الإجتماعيّة كتويتر, و لكنه في النهاية هي متشابكة مع بعضها لأن تعامل الإنسان يكون معهما على حد سواء, يصبح الفصل بينهما كبيئتين مختلفتين أمر بحاجة لآلاف الساعات من المراقبة و التحليل ليتم فهم كيف يعمل هذا النوع من الإعلام على الأفراد و كيف ينمّط حياتهم.

يقول ماكلوهان:
“إن الوسيط يغيّرنا و يؤثّر على البنية الفرديّة و الإجتماعيّة, لأننا نتفاعل معه مرارا و تكرارا حتى يصبح جزءا من أنفسنا, فنحن اليوم لا نستطيع تخيّل حياتنا بلا الهواتف الذكيّة و الإنترنت. لأن كل وسيط يدفعنا لإستخدام حواس معيّنة ليخلق عادة نداوم على ممارستها. إن الإنخراط بشكل يومي في أحد الوسائط يوما بعد يوم يحفّز أحد الحواس لدينا لإستخدامها أكثر من غيرها. فالوسيط السمعي كالأغاني مثلا يحفّز حاسّة السمع أكثر من حاسّة النظر إذا تم إستخدامها بشكل أكبر, تماما مثل الضرير حيث تصبح حاسّة السمع متفوّقة بشكل ملحوظ. و على الصعيد الإجتماعي فالمجتمع يصاغ بحسب الوسيط الأكثر إنتشارا بين أفراده.”

عندما تدخل تكنولوجيا إعلاميّة جديدة يمرّ المجتمع فترة تصبح هذه التكنولوجيا ظاهرة غريبة يتحدّث الجميع عنها, في هذه المرحلة يبدأ الأفراد تعلّم هذه الوسيلة. و في المرحلة الثانية عندما تصبح هذه التكنولوجيا في متناول أيدي الجميع تصبح ظاهرة إعتياديّة و تختفي في خلفيّة عادات المجتمع و عندها ينخرط الأفراد تحت الأنماط البيئيّة التي يخلقها هذا النوع من الإعلام و تصبح جزء أساسي من تكوينه. و كأبسط مثال فكّر في دخول الهواتف الذكيّة لحياتنا و ما العادات الجديدة التي اكتسبناها بسببه. و يكون الإنخراط في هذه البيئة التكنولوجيّة للأفراد الذين نشؤوا مع هذه التكنولوجيا كالأطفال الذين بدؤوا طفولتهم بالرّسم على ال ipad, أكبر من الذين شهدوا دخول هذه التكنولوجيا و حاولوا تعلّمها. فالأجيال التي تكبر بوجود هذه التكنولوجيا لن يستطيعوا أبدا تخيّل العالم بدونها ليس كمن شهدوا اختراعها.

.

تابع التدوينة القادمة, التاريخ البشري طرحا جديدا تابع للنظريّة

المصادر:

– هوفيك حبيشان, “الأفلام الأخرى ابتذلت القضية لغايات قمعية…. أول سينما إنسانية عن قضية فلسطين”, موقع ستار تايمز. الرابط
– أمجد ناصر, “عن إلياس خوري و”باب الشمس”, موقع الجزيرة. الرابط 
– كتاب “نظرة عامّة حول نظريّة الإتصال” النسخة الثامنة للكاتب إم جريفين. توزيع شركة McGrawHill
– “ما هي البيئة الإعلاميّة؟”. جمعيّة بيئة وسائل الإعلام. الرابط
Eye-popping ‘Avatar’ pioneers new technology

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s