جماهير الشرق الأوسط لا تقبل الموضوعيّة

قبل الدخول في كيفيّة عمل وسائل الإعلام في الشرق الأوسط و التعليق على إنحيازها و نزاهتها فيجب أن نطرح على أنفسنا السؤال. هل الجماهير العربيّة تقبل إعلام نزيه و موضوعي؟

الجواب و بدون تردد ب(لا) جماهير الشرق الأوسط لا تتقبل لمثل هذا السلوك على وسائل الإعلام. و سأضرب مثلا شهدناه منذ فترة قريبة هو برنامج “البرنامج” الذي قدّمه الإعلامي الساخر باسم يوسف و فريقه. و تحديدا خلال آخر حقبتين متتاليتين من برنامجه عندما انتقد باسم الرئيس المخلوع مرسي و حكومته الإسلاميّة مما أدّى إلى نفور الجماهير ذات الخلفيّة الإسلاميّة من متابعته بل و تكفيره. بعد ذلك تخلّصت مصر من مرسي و تحوّلت الأنظار نحو السيسي, و أيضا واجه باسم يوسف نفس السلوك من أنصار السيسي, فهاجموه و خوّنوه و أصبح يتقاضى ملايين الدولارات من الأمريكيين و الإسرائيليين على حد قولهم.

لنذهب بعيدا عن سلوك الدّولة تجاه هذا النوع من الإعلام. و لنركّز بقعة الضوء نحو الجماهير, فالجماهير أنفسها أثبتت أنها على المستوى الإعلامي لا تقبل ما يخالف رأيها. حتى المؤسّسات العربيّة الإعلاميّة عندما كانت تغطّي الإنتفاضات الفلسطينية و حرب العراق و حرب لبنان كانت تحظى بالكثير من التأييد الجماهيري, أما بعد عام 2011 دخل الإعلام في مرحلة جديدة و هو الإنقسام الإعلامي وراء القوى التي تموّله كشف لنا فكر لم يكن ظاهرا قبلها.

جماهير

لقد شهدت الكثير من الخلافات على الشبكات الإجتماعيّة و على أرض الواقع بسبب إختلاف الرأي و التي كانت تصل أحيانا للإعتداء الجسدي. و أنا أتحدّث هنا عن مواقف شهدتها من بعض الأصدقاء و بعض الأشخاص الذين كنت على معرفة و صلة شخصيّة بهم. رأيتهم كيف يتعاملون مع إختلاف الرأي و التعليقات الهجوميّة, قرأت تفاعلاتهم على الصفحات السياسيّة و الشتائم بجميع أنواعها و التخوين و العمالة و التكفير و التجهيل. قد يبدو الكلام عن هذه المواقف شيئا تافها على أنها مشاكل لا تتعدّى الشخصيّة, و لكنها في الحقيقة هي سلوك الأفراد التي تشكّل المجتمع, و دراسة هذا السلوك لهو أمر هام جدّا في معرفة سلوك الأفراد و طريقة تفاعلاتهم تجاه الإعلام و الأفكار المغايرة عنهم.

لنحاول الغوص أكثر. فخلق مجتمع دون اختلافات جذريّة لأمر مستحيل. و لكن طريقة التعاطي مع هذه الإختلافات على مستوى الفرد هو المشلكة. و علاوة على ذلك, أن المحرّمات الفكريّة و التعبيريّة كثيرة عند طبقة لا يستهان بها في المنطقة, لذا فيجب إقامة دراسة جديّة حول توزّع تلك الطبعات و نسبها في المجتمعات الشرق أوسطّيّة ككل, و من ثم إيجاد الحلول المناسبة لها و المثابرة ورائها, لأن هذه الجماهير و إن تغيّرت بمفردها فقد تضيع إذا لم يوجد من يراقبها و يقود ذلك التغيير.

المؤسسات الإعلاميّة الحاليّة يبدو أنها غير مهتمّة بالأمر, فهي قد حجزت جمهور لها, و سلكت بنفس سلوك الجماهير, الإنحياز و اللّا موضوعيّة. فلنكن واقعيين, لا أحد يريد الوقوع بنفس موقف  باسم يوسف و خسارة عدّة مجموعات جماهيريّة, فبالنهاية دخل تلك المؤسسات الإعلاميّة معتمدة على حجم الجماهير و صفاتهم الديموغرافيّة لتأمين أرباحها, و هي مضطرّة لعدم التجديف بعكس تيار الجمهور. و لكن ما حصل هو التقسيم, فكل قوى سياسيّة لها من يؤيّدها, و أصبحت المؤسسات إعلاميّة التابعة لها تعبّر عنها لترضي جمهورها.

لا أستطيع الجزم إن كانت المشكلة تبدأ من وسائل الإعلام التي تدعم من يموّلها, أم أنّها مشكلة الغالبيّة من الأفراد, باعتبار أن العاملين و القائمين على وسائل الإعلام هم أفراد تابعون لنفس الجمهور المستهدف بالنهاية.

الجمهور يقابل الجمهور - صورة ملتقطة من موقعة الجمل في القاهرة, يناير 2011

الجمهور يقابل الجمهور – صورة ملتقطة من موقعة الجمل في القاهرة, يناير 2011

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s