العنف غريزة بشرية

يرجع الكثير من المحلّلين في جميع أرجاء العالم إلى أن مشكلة العنف و التطرُّف في الشرق الأوسط تعود إلى مبادئ في الدين الإسلامي, و في المقابل فإن المتطرّفين يستندون إلى دلائل نصيّة من القرآن و الأحاديث النبويّة في مُمارساتهم للعنف و في تشكيل تكتُّلات عسكريّة على أنها من أصول إسلاميّة جاء بها الإسلام ليحتل مكانة قويّة و شامخة بين الأمم, و أنا أعتبر أن سلوك هذه المجموعات المتطرّفة لهو أمر طبيعي, و هو مرتبط بغريزة حيوانيّة عصبيّة المنشأ.

ينسى هؤلاء المحلّلون أن مشكلة العنف و التطرُّف ليست جديدة, و ليس فقط من يعانى منها الدين الإسلامي تحت غطاء حكومات تدعمه من أجل سيطرة نفوذها, فالديانة المسيحيّة أيضاً رغم أنها من أكثر العقائد التي تنادي بنشر الرحمة و المحبّة و لكنّها مرّت بفترة سيطرة الأباطرة و استخدامهم للديانة المسيحيّة كوسيلة من أجل التدمير و السيطرة في جميع أرجاء الأرض. فالمشكلة ليست في الديانات أيّاً كانت و العقائد كما يدَّعون البعض, المشكلة في الإنسان نفسه و رغبته في البطش و القوة.

أغلب الديانات الأكثر انتشاراً على كوكبنا تدعو للحب و الرحمة في صُلبها, و تعتبر الإحسان و السماح أعلى مراتب الإيمان, لن أضيّع الوقت في ذكر تفاصيل تلك الديانات باختلافها, و لكن ما يحدث على أرض الواقع أن الإنسان دوماً ما يبحث عن أسباب تجعله يبرّر غرائزه في السيطرة تحت غطاء أخلاقي روحي على أنه ينشر الخير و يدحض الشر. و الدليل على ذلك أنه مع بداية ظهور الماركسيّة و الشيوعيّة منذ عدة عقود و التي هي تنظيمات اجتماعية سياسية اقتصادية, أنتجت للبشريّة أبشع أنواع العنف و القمع في التاريخ و كان السبب أخلاقيّاً و هو نشر العدل و المساواة بين الناس, مع العلم أن تلك التنظيمات كانت جميعها لا دينيّة, بل و ضد الديانات في بعض الأحيان. كما قلت المشكلة ليست في الدين, و إنما بالإنسان ذاته.

إذاً ما السبب الذي يجعل الدين أحد معوّقات الإنتاج الفكري؟. السبب هو أنه مادامت تشريعات الدين مرتبطة ارتباط مباشر بمؤسسة رسميّة سُلطويّة و التي بدورها تابعة لدولة مركزيّة الإدارة, سوف تبقى تشريعاته قابلة للتلاعب من قبل تلك المركزيّة إذا ما كانت التشريعات و الأبحاث لا تتناسب مع مصالح المركزيّة. الحل الوحيد لضمان وجود الدين بطريقة أفضل هو أن يكون تحت إدارة مؤسَّسات إجتماعيّة مُستقلّة و لا مركزيّة تبحث في أمور الدين بما يتناسب مع مصلحة المجتمع و الفرد سواء. عندها لن يكون الدين الثوب الإلهي للمركزيّة لتستطيع ستر ما شاء من انتهاكات للحقوق.

ربما النداءات العصريّة لحريّة الإنسان من القيود الفكريّة و الروحيّة جعلت الكثير ينسون القادة الشيوعييّن اللادينيّين في أوروبا, و أصبح الإرهاب و التعصُّب أحد مبادئ الديانة الإسلاميّة, لم يمض قرن على أول حرب عالميّة قادها الأوروبيُّون و بعدها الثانية كان نتيجة الحربين عشرات الملايين من الأرواح زُهِقَت. و اليوم, عند أول مشكلة أمنيّة في أي بقعة على الأرض تُلصق بظهر المسلمين و العرب, متناسين أن الإرهاب مشكلة إنسانيّة قديمة يحاول الإنسان التخلُّص منها منذ أقدم العصور.

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s