الحداثة الإعلامية في الشرق الأوسط

خلال المئة عام الماضية تطورت وسائل الإعلام بشكل مخيف, و اقتحمت حياة كل فرد تدريجيّا عبر بيئته حتى أصبحت جزءا لا يمكن تجزئته من البيئة المحيطة بأي مجتمع, بل إنّ غيابها سوف يسبب مشكلة. و أنا على ثقة أن جميعكم قد طرح على نفسه السؤال “كيف كنا عايشين قبل الموبايل و الإنترنت؟”, هذا المجال يتطور بسرعة كبيرة, فمن عشر سنوات فقط كنا نتباها بجهاز نوكيا “الشحّاطة” ذو الشاشة الكئيبة, أما اليوم أصبحت مواصفات الهاتف الذكي تعادل مواصفات جهاز كومبيوتر.

.

الجميع يعلم المقولة “الحاجة أم الإختراع”, فما كانت الحاجة الرئيسية وراء هذا التطور و صرف مئات ملايين الدولارات وراء البحث العلمي على وسائل الإعلام؟

Simpsons

.

يوجد سببين رئيسيّين تشكلا منبع الحاجة من تطوّر الميديا. أوّلا, وسيلة للإتصال, ففكرة أن يكون العالم بين يديك في جهاز, تساعد على الإنتشار و تقوية الأعمال في كل بقعة في الأرض. لم يعد التوسع مشكلة كما كان, فالكثير من الأعمال فشلت في الماضي بسبب اتساع الأعمال مما أدى إلى فقدان السيطرة في تسيير الأمور و اتخاذ القرارات, و أقصد هنا الدول و الحكومات عندما كانت توسع سيطرتها في أراض جديدة. أما اليوم فقد أصبح التوسع سهلا جدا.

كما نقول في العامية “وين ما بتروح بتلاقي شي ألو علاقة بأميركا!”. مع أن هذا التطور كان لصالح الدول العظمى التي تجمع معلومات هائلة عن أدق تفاصيل حياتك, و لكن كان لها فائدة في الإنتشار أيضا على صعيد الفرد دون صرف أموال طائلة, فمثلا وصلت هذه المدونة لقراء في كندا و روسيا دون أن أحتاج لطباعتها و نشرها هناك.

ثانيا, الحاجة في تطبيقات التعبير عن الرأي, فيعتبر التعبير عن الرأي هو الأساس الذي تم بناء المؤسسة الإجتماعية عليه في المجتمعات الغربيّة. كانت هذه الشركات بحاجة لتكنولوجيا تمكن الجميع من إضافة آرائهم و مشاركتهم لكي يتم تطوير المنتجات و الخدمات على أساس ما يحبّون. فتطوّرت بشكل سريع جدا لتلبية هذه الحاجة و كان العائق الوحيد في ذلك هو تثقيف المستخدمين في إستخدام الميديا. و الحكومات كانت قد أدركت هذه الحاجة أيضا في وقت مبكر, فهي تعلم أن خططها و سيطرتها لن تكون قوية إلا إذا كان لديها قاعدة بيانات ضخمة جدا لمراقبة ردود الفعل الجماهيريّة بدقّة و معرفة ماوراء التحركات في الشارع عن طريق آراء العامّة.

.

الميديا في العالم اليوم بكل تكنولوجيتها و اتساعها هي نتيجة تطور الفكر الغربي في التعبير عن النفس على مدى عشرات الأعوام. أما بالنسبة للشرق أوسطييّن فوسائل الإعلام تعد دخيلا على ثقافتهم, فالتعبير عن الرأي لا وجود له في بيئة مجتمعاتنا و لم نتعلم حتى كيف نطرح آرائنا, و الأسلوب الجبري متأصّل في الطريقة التي يتواصل فيها الأفراد بين بعضهم البعض.

.

هذا الشرخ أدّى إلى فشل ذريع في استخدام وسائل الإعلام على نطاق الأفراد عند أول مطب أطلقنا عليه اسم “الربيع العربي”, من الممكن أنه كاد أن يكون ربيعا عند مرحلة ما, ولكن الطريقة التي انتهجها االأفراد في طرح الأفكار و الآراء و نشرها  بطريقة قسرية أدّى إلى ما أدّى إليه من مشاكل و انقسامات على أسس مذهبية و مناطقية و اجتماعيّة. و كان الرّبيع بعد الشتاء سببا في انفلات القاصي و الدّاني على وسائل الإعلام, فمنهم من كذب و منهم من ألّف و لحّن و منهم من نطق بكلمة حق فضاع بين هذا و ذاك.

Advertisements

2 thoughts on “الحداثة الإعلامية في الشرق الأوسط

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s