الإعلام و الرسالة.. مشكلة الفهم الخاطئ

يشير مصطلح “التثقيف الإعلامي” إلى درجة وعي الأفراد عن ماهية وسائل الإعلام، وكيف تعمل، و ما الرسائل التي يتم تقديمها، و ما الدور الذي تلعبه في المجتمع، و كيفية استجابة الأفراد إلى الرسائل الإعلامية. يقول جيمس بوتر الباحث في وسائل الإعلام و التواصل الجماعي أن الأفراد الذين يتمتعون بمستوى عالي من الوعي الإعلامي يمتلكون القدرة على فهم العالم من خلال وسائل الإعلام بموضوعية أكثر, و باستطاعتهم أن يفهموا مالذي تعنيه تلك الرسائل التي تبث من خلال وسائل الإعلام.

على سبيل المثال, مستهلكو الإعلام الإخباري الذين يقضون معظم أوقاتهم في متابعة الأخبار يصبح العالم بالنسبة إليهم مليئ بالمخاطر و المآسي و أن الإنسان في طريقه نحوالأسوأ, و خاصة أن مستهلكوا الإعلام الإخباري في الشرق الأوسط قد تضاعفت أعدادهم منذ اندلاع الثورة في تونس و من بعدها الأزمات في الشرق الأوسط. وفي الجهة المقابلة من متابعي الأفلام الوثائقية العلمية دوما ما يشعرون أن الإنسان في تقدم دائم و ازدهار لن يتوقفا. ثم يردف جيمس بوتر أن الآثار السلبية للإعلام تختلف على الأشخاص بحسب درجة وعيهم بكيفية عمل الإعلام بشتى أنواعه.

لنذهب بعيدا عن الإعلام الإخباري و نضع عينا نحو مثالين هامّين جدّا. الأول هو في المسلسلات التلفزيونية بصفتها أحد أنواع الإعلام الهامّة في مجتمعنا. في رمضان سنة 2010 تم انتاج مسلسل “ما ملكت أيمانكم” بإخراج نجدة أنزور و الذي صوّر عدة قضايا اجتماعية لا يستطيع أي من شاهد المسلسل إنكار وجودها, ولكن الهجوم و الانتقاد الذي تعرض له نجدة أنزور بسبب عنوان المادة الإعلاميّة كمسلسل رمضاني و الصورة التي ظهرت فيها الشخصيّة المتطرفة دينيّا في المسلسل كان لاذعا, إذ أن الأغلبية اعتبرها هجوما مباشرا على الدين الإسلامي و أن فيها اتهام للدين الإسلامي بمعتقدات ليست موجودة.

و المثال الثاني نجده في التوجهات الناشئة على الشبكة الاجتماعيّة كال”باحثون السوريّون” و “زايتجايست” التي تواجه الكثير من الإنتقادات على مواضيعهم العلميّة. فعندما يتحدثون عن الأدلة العلميّة لنظرية التطوّر و أصل الإنسان الحيواني يعترض الكثيرين على أنها دعوات للإلحاد و للوقوف ضد الدين الإسلامي, و في الواقعأن القائمين على كتابة و تحرير و نشر هذه المقالات من خلفيات دينيّة و إجتماعيّة مختلفة. و لكن  ينظر البعض لهم على أنهم أدوات لنشر الشر و الكفر.

و هنا يكمن القصد في أهداف التثقيف الإعلامي في مجتمع ثقافته الإعلامية متدنية في غالبيتها. ما تعرض له نجدة أنزور و بعض الحركات العلميّة الشبابيّة يتعرض له الكثير من الأدباء و الكتاب بشكل يومي في محاولتهم لوضع ما هو على الهامش من القضايا الإجتماعية ليكون البقعة التي تتسلط عليها أضواء كاميرات و أقلام الإعلاميين لعرضه أو حله و ليس لتشويه السمعة كما يعتقد الكثيرين و خاصّة في حالة وجود الصورة واقعا في المجتمع.

Advertisements

حجم الإستهلاك الإعلامي, و ما هو موقعنا؟

ينفق المستهلك في جميع أرجاء العالم الكثير من أمواله على الميديا و التسلية, ينفقها بشكل يومي ليستطيع قراءة الكتب و المجلات و الإشتراك في قنوات تلفزيونية وراديو, يشتري الأغاني و يشاهد الأفلام و يلعب في ألعاب الفيديو. و المعلنون في المقابل لا يملون من ملاحقة اهتمام المستهلك ليكونو دوما أمام وقع عينه أينما ذهب.

تبعا للتقرير الذي أصدرته شركة مكينسي فإنه يعتقد أن الإعلانات الرقمية سوف تكون الأكثر نموا خلال الخمس سنوات القادمة بمعدل نمو 14.7 في المئة حتى نهاية عام 2017 و تحتل المرتبة الثانية البرودباند بمعدل نمو 10 في المئة. و أما ألعاب الفيديو و إعلانات التلفزيون فقد تتجاوز ال5 في المئة. إن إجمالي إنفاق الميديا العالمية سوف يزداد من 1.4 تريليون دولا أمريكي سنة 2012 ليتخطى ترليوني دولار أمريكي سنة 2017.

لقد كانت الأرقام مهولة, فإن إنفاق المستهلك على الميديا من أميريكا وحدها يعادل ثلث الإنفاق العالمي على الميديا, و هذا يتضمن أوروبا و الشرق الأقصى و أميريكا اللاتينية و أوستراليا و الشرق الأوسط و أفريقيا. و قد تم وضع إنفاق الشرق الأوسط و أفريقيا في خانة واحدة و قدر استهلاكهما للميديا بما يعادل 3 بالمئة فقط من معدل الإستهلاك العالمي للميديا, و لكن المبشر في الأمر أن الشرق الأوسط احتل المرتبة الأولى في معدل نمو الإستهلاكي للميديا. ففي سنة 2011 كان معدل النمو 41 في المئة و 28.4 في المئة لسنة 2012 و أخيرا 14.2 في المئة لسنة 2013و كان ذلك النمو المفاجئ هو ظاهرة الربيع العربي الذي وجه الأفراد بشكل مباشر لإستخدام جميع وسائل الميديا لمشاركة و متابعة الإعلام الإخباري لمعرفة ماذا يدور حولهم.

رغم أن الفرد العربي قد أدرك أهمية مشاركته للإعلام في مطلع ربيعه, و لكن ما يتوجب فعله الآن هو تثقيف الفرد العربي في كيفية استخدامه للإعلام كساحة هامة للتعبير و المشاركة في بناء المجتمع, لا كساحة معركة يتم تصفية الحسابات من خلالها.

الإستهلاك الإعلامي في أميريكا – مقارنة بين سنة 2012 و سنة 2013