هم و نحن, نظرية المؤامرة و المجتمع


إن المؤامرة التي يناقشها العامة في الكثير من جدالاتهم هي ليست جديدة المنشأ, فقد انتقد الكثيرين من مفكرين المجتمع الغربي عن السلوك المنحاز للإعلام و تأثيره السلبي على المجتمعات بسبب ميله دوما لخدمة مصلحة مموليه منذ الستينات من القرن الماضي, و لقد ناقش ناوم كومسكي و إدوارد هيرمان في كتابهم “صناعة القبول” و الذي طرح أثر البروباغاندا التي تقودها القنوات الإعلامية و طريقتها في صناعة قبول الجماهير الآني لما تطرحه تلك القنوات للعامة بغض النظر عن صحة أو فائدة المواد المطروحة. رغم أن الكتاب أتهم من قبل الكثيرمن النقاد أنه يدعم نظرية المؤامرة, إلا أن تعليق الكاتب ناوم كومسكي ردا على نقاده أنه لم يدعم أي نوع من نظريات المؤامرة, فاليوم يعتبر دعم نظريات المؤامرة أحد أنواع السطحية في تحليل الواقع. 
conspiracy
إن البروباغاندا و التي تتمثل في أغلب طرق الإعلام العربي هي طريقة واحدة فقط من عشرات الطرق في عرض المحتوى الإعلامي, و هو يهدف دوما إلى عرض جانب معين من قضية ما على أنه الخير المحض أو الشر المحض لهدف إيصال شعور أو سلوك معين يصب في مصلحة أحد الأطراف. و لكننا اليوم و مع تعدد و انتشار نظريات التواصل الجماعي و التي هي أساس الإنتاج الإعلامي و مع تطور تكنولوجيا الإتصالات و الإنترنت أضعفت من هيمنة الشركات الإعلامية ليصبح كل فرد في المجتمع قادر على التدخل في الميديا و إنشاءها و التعليق على دقتها و صحتها و رأيه(ها) فيها, و لكن مجتمعنا لم يتعلم الإنخراط بها بشكلها الصحيح بعد.
أنا لا ألوم العامة في إنجرافها دوما في تفسير أي سلوك إعلامي على أنه دوما سوف يصب لمصلحة طرف ما – و هو غالبا لن يكون في مصلحة العامة – حتى لو كان كذلك ليس صحيحا في هدفه, فقد تعشق فكر المؤامرة في ذهن الشارع العربي و أصبح الفرد العربي غير قادر على فهم أو تفسير أي رسالة إعلامية يستقبلها من أي نوع من أنواع الميديا. و هذا ما ذكرناه من أسباب لإنتشار هذا الفكر في المدونة السابقة.
 
المشكلة أننا في مجتمعنا لا ندرك خطورة انتشار هذا الفكر على صعيد بناء المجتمع, فقد عرف جيفري هول و هو أستاذ في دراسات التواصل الجماعي في جامعة كانساس المؤامرة على أنها الإعتقاد بأن مجموعة معينة من الناس “هم” تحيك مؤامرة في السر لإلحاق الضرر بمجموعة أخرى مستضعفة “نحن”. و قد حذر الكثيرين من مفكري علوم الإجتماع من مساوء انتشار فكر المؤامرة في المجتمع, يقول البروفيسور توماس فاو عن فكر المؤامرة “نتائج الإعتقاد بنظريات المؤامرة كارثية, فهي تخلق سوء الفهم و زيادة الخلافات و التوتر و عدم الثقة في الآخرين و تعزيز السخرية تجاههم, و قد تنتج التطرف أيضا”و  كل ذلك صحيحا, فنحن نراه بشكل يومي في مجتمعنا مع الأسف. 
 
قد لا يقتنع البعض بإلغاء كل فكرة تتعلق بالمؤامرة جانبا أثناء معاينته لأي رسالة إعلامية, فسوق المؤامرات ليس له نهاية في مجتمعنا, و المؤامرات قد تكون ضد ديانة ما أو جنسية أو مدينة أو نظام أو شعب أو عائلة أو أمة… نعم هي كثيرة, و من الصعب جدا تجاهل كل ما يحدث من مصائب في منطقتنا و القول أن ما يحدث هو فعلا فقط ما نراه بكل بساطة و لا يوجد أي شيء سري, و لكن ما يجعلني مطمئن لإلغاء الكثير من نظريات المؤامرة و وضعها جانبا هو أنه منذ بداية الأزمات في الوطن العربي لم يسلم أحد, و خاصة في البلدان التي تركز بها ما سمي بالربيع العربي, كان الضرر عاما على جميع الفئات, هذا على الأقل ما يدعوني لوضع الكثير من الفئات التي كانت تنتدرج تحت قائمة الأطراف المتآمرة في موضع الضحية. 
Advertisements

مفهوم الإعلام في الشارع العربي

الإعلام الموجه, التلفيق, الكذب, الإنحياز, الأهداف المبطنة, و المؤامرة. هذه الفكرة الأكثر انتشارا عن الإعلام و قد ازدادت انتشارا أكثر من أي وقت مضى عندما بدأ ما سمي بالربيع العربي, و التي زاد فيها انقسامات المجتمعات العربية و زادت كراهية لبعضها البعض. في البداية أرى أنه من الضروري شرح كلمة ميديا media , فحسب ما لاحظت أن معظم من تحدثت معهم عن الميديا لا يعرفون ماذا تدل هذه الكلمة بالظبط .

إن ترجمة كلمة ميديا من اللغة الإنكليزية هي وسائل الإعلام. و لكن في الحقيقة ما يحمله معنى كلمة إعلام في عقولنا هو أصغر بكثير ما تحمله كلمة ميديا في عقول الغرب, فالميديا هي أي وسيلة تستمد منها الجماهير المعلومات التي بحاجتها, فالميديا تضم الجريدة و القنوات التلفزيونية بكل أنواعها, و الأفلام و الفيديو كليب, و الكتب, و المجلات, و تطبيقات و برامج السمارت فون و لوحات الإعلانات,الراديو, و الإنترنت, والشبكات الإجتماعية, و ألعاب الكومبيوتر و البلاي ستايشن و غيرها. أي هي كل ما يحيط بالمستهلك من وسائل الإمداد بالمعلومات. و هنا يكمن النقص في مفهوم كلمة إعلام, فمصطلح الإعلام في الشارع العربي غالبا ما يضم فقط القنوات الإخبارية بمواقعها و الصحافة المطبوعة و الراديو.

إن انخراط المشاهد العربي بالأخبار في معظم وقته بسبب كل الأزمات و المشاكل التي تمر فيها منطقة الشرق الأوسط أفقده المعنى و الهدف الحقيقي للميديا أو وسائل الإعلام. فقد أصبحت الأخبار هي كل ما يتعلق بالإعلام, و أصبح الإعلام بنظر المشاهد العربي هو جزء من خطط الشيطان المكار, أصبحت نموذجا و دلالة على الكذب و الخداع و قد يذهب البعض ليقول أن التلفاز هو الأعور الدجال الذي سوف يظهر يوم انتهاء العالم. هذه الأفكار السلبية عن الإعلام و تهميش دور الفرد و أهميته في صناعتها هو أكثر ما يقلل من فرص المجتمعات العربية بالنجاح, فوفقا لشريف و القندري 2009 “إذا استطاع الإعلام التأثير على المجتمعات العربية إيجابيا و بشكل تدريجي سوف يصبح دور الإعلام في تحويل المجتمعات العربية فعالا “.

لقد تعمق الدكتور علي القندري و هو أستاذ مشارك في قسم الإتصال الجماهيري في جامعة الخليج للعلوم و التكنولوجيا في دراسته حول مفهوم المؤامرة في العقل العربي, حتى جاء بعدة أسباب تاريخية كانت أحد أسباب تأصل هذا الفكر, و قد بدأ القندري بأول ظهور لهذه النظرية سنة 1952 عندما أطاح جمال عبدالناصر و رفاقه في الجيش حكم الملك فاروق في مصر, و روج لفكرة أن حكم الملك فاروق كان يؤيد أفكار الإمبريالية و الصهيونية الفاسدة. و أحد المصادر الأخرى أيضا لإنتشار نظرية المؤامرة هو الأصولية الإسلامية, فهي تزرع في مفهوم صراع الحضارات المبدأ الذي يقسم العالم إلى “نحن” و “هم”. إضافة على ذلك من مصادر انتشار تلك النظرية هي أن الممارسات الصحفية في غالبيتها لا تلتزم بالقيم التقليدية للإعلام مثل الموضوعية و الحياد و النزاهة و المصداقية.

إن ما ينقصنا في مجتمعنا العربي هو ما يسمى ب “محو الأمية الإعلامية ” media literacy من الثقافة العامة, و هو توجه فكري بدأ في منتصف الثمانينات يهدف إلى توجيه الدارسين في التواصل الجماعي و الميديا في المشاركة في خدمات اجتماعية تهدف لتثقيف المجتمع عن دور الميديا في حياتهم و كيفية التعامل مع وسائل الإعلام لجلب المنفعة للأفراد في المجتمع. و كان ما وجدته من نقص في فهم الميديا و كيفية استخدامها من قبل الأفراد ما دعاني لإنشاء مدونة للكتابة عن ما تحمله الميديا لنا في جعبتها و عن كيفية البدء في مشاركة حقيقية و بنائة لاستغلال وسائل الإعلام فيما يصب لمصلحة الفرد العربي.